الدكتورة عفاف الفرجاني
أثارت تصريحات الضابطة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية، سارة آدامز، جدلًا واسعًا بعد حديثها عن وجود صلات بين مفتي ليبيا الصادق الغرياني وتنظيمات متطرفة على رأسها تنظيم القاعدة، مؤكدة أن نطاق الاتهامات لا يقتصر على أحداث بنغازي، بل يمتد إلى ما وصفته بأطر دعم وتحريض أوسع.
هذه التصريحات، بحسب ما تم تداوله من إجابات موثقة لها، تفتح بابًا سياسيًّا وقانونيًّا بالغ الحساسية. فالقانون الأمريكي المتعلق بتقديم دعم مادي للإرهاب لا يحصر الجريمة في السلاح أو التمويل، بل يشمل كذلك الدعاية والتحريض وتوفير المنصات الإعلامية التي تبرر العنف. وإذا كان هذا هو التعريف المعتمد داخل المنظومة القانونية الأمريكية، فإن السؤال يصبح مشروعًا حول طبيعة الأدلة التي استندت إليها آدامز، وحول ما إذا كانت هذه الأدلة قد أحيلت إلى جهات تحقيق رسمية أم بقيت في إطار التقدير الاستخباراتي.
المفارقة التي يطرحها المشهد الليبي تكمن في التباين بين الخطاب المعلن حول مكافحة التطرف، وبين ما يراه كثيرون صمتًا غربيًا تجاه شخصيات دينية وسياسية مثيرة للجدل داخل ليبيا. هذا الصمت، سواء كان نتيجة حسابات دبلوماسية أم نقصًا في الأدلة القضائية القابلة للاستخدام أمام المحاكم، يثير شكوكًا لدى شريحة واسعة من الليبيين الذين يعتبرون أن ازدواجية المعايير أسهمت في تعقيد المشهد الداخلي منذ عام 2011.
لا يمكن القفز إلى استنتاجات نهائية دون مسار قانوني واضح، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل أثر الخطاب الديني المسيس في بيئة تعاني هشاشة أمنية وانقسامًا مؤسسيًّا. فالدولة الحديثة من المفروض أن تقوم على احتكار شرعي للقوة وعلى تجريم التحريض على العنف أيًّا كان مصدره. وإذا كانت هناك معلومات استخباراتية جدية، فإن مسؤولية تحويلها إلى ملفات قضائية شفافة تصبح ضرورة لا خيارًا.
من حقِّنا وبعد تصريحات سارة تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية التكتم، لأن هذا بدوره يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشارع الليبي وصناع القرار في الغرب. غير أن معالجة هذه الأزمة لا تكون بالشعارات، بل بالمطالبة العلنية بكشف الحقائق عبر قنوات قانونية، لا بالتسريبات والتصريحات المبطنة، والسجالات الإعلامية.
المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، بل بين منطق الدولة ومنطق الفوضى. والفيصل في ذلك هو القانون، لا الضجيج السياسي. وعلى المجتمع الدولي، وعلى رأسه أمريكا، كشف النقاب عن أي شخصية أو جماعة متورطة في نشر الفوضى في ليبيا، إلا أنه وفي تقديري، لن يكشف إلا عن بعض الشخصيات التي لا تتعدى أوراقًا منتهية الصلاحية ويجب حرقها لمرحلة تقتضي ذلك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق