هناك نساء لا يمكن أن تختصر سيرتهن في كلمات، ولا أن تختزل عظمتهن في لقب، لأنهن ببساطة صنعن من أعمارهن حكايات تستحق أن تُروى، ومن تضحياتهن دروسًا لا تنتهي، ومن صبرهن قوةً لا يعرف معناها إلا من اقترب منهن وعرف تفاصيل رحلتهن.
ومن بين هؤلاء تأتي السيدة فاتن عطية، التي يعرفها الكثيرون باسم فاتن الصبروتي؛ امرأة تستحق أن يُكتب عنها بحب، وأن تُروى حكايتها بكل تقدير.
هي ليست أمي التي أنجبتني، لكنها منحتني من الأمومة ما جعلني أشعر أن الأمومة ليست دمًا يجري في العروق فقط، بل قلب يحتضن، وعقل يعلّم، وروح تمنح دون انتظار مقابل.
تربيت على يديها وكأنني ابنتها تمامًا، وتعلمت منها الكثير؛ تعلمت أن الحياة ليست دائمًا سهلة، وأن الإنسان الحقيقي لا تُقاس قيمته بما يملكه، بل بما يستطيع أن يمنحه للآخرين، وأن القوة ليست في قسوة القلب، وإنما في القدرة على الاستمرار رغم التعب، والعطاء رغم المسؤوليات، والوقوف من جديد مهما أثقلت الأيام كاهله.
فاتن الصبروتي لم تكن مجرد امرأة تدير بيتًا، بل كانت عالمًا كاملًا من المسؤولية والعطاء.
حين كانت الحياة تفرض عليها أدوارًا تفوق طاقة شخص واحد، كانت تؤديها بقلب امرأة قوية وعقل امرأة واعية وروح أم لا تعرف التخلي عن أبنائها.
كان زوجها يسعى لتوفير المال لأبنائه وتحمل مسؤوليات الحياة من هذا الجانب، بينما كانت هي تحمل جانبًا آخر لا يقل أهمية، وربما لا يراه الكثيرون: مسؤولية التربية، وبناء الشخصيات، وغرس القيم، وصناعة الوعي، والاهتمام بالتفاصيل التي تصنع مستقبل الأبناء.
كانت الأم والأب في مواقف كثيرة، وكانت المربية والمثقفة والإنسانة التي تعرف أن تربية الأبناء ليست مجرد توفير احتياجاتهم، بل أن تزرع فيهم ما يبقى معهم حتى بعد أن يكبروا وتبتعد بهم الحياة.
لم تكن مهمتها تنتهي عند إعداد الطعام أو تدبير شؤون المنزل، بل كانت تمتد إلى التعليم والتوجيه والنصح، وإلى بناء عقول تعرف كيف تفكر، وقلوب تعرف كيف تحترم، وشخصيات تستطيع أن تواجه الحياة.
لقد كانت امرأة تدرك أن المال قد يوفر للإنسان احتياجاته، لكن التربية تمنحه ما هو أبقى: الأخلاق، والوعي، والثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ القرار.
ولم يتوقف عطاؤها عند أبنائها، بل امتد إلى أحفادها؛ تمنحهم من وقتها وفكرها واهتمامها، وتزرع فيهم من خبراتها ما يساعدهم على فهم الحياة. وكأن رسالتها لم تكن مرتبطة بعمر معين أو مرحلة محددة، بل كانت رسالة مستمرة تنتقل من جيل إلى جيل.
وما يلفت النظر في شخصية فاتن عطية أنها لم تكن تعيش لنفسها بالقدر الذي عاشت به لمن تحب. كثيرًا ما جعلت احتياجات أبنائها وأحفادها في المقدمة، وقدمت من راحتها ووقتها حتى تمنحهم ما تستطيع من رعاية وتوجيه واهتمام.
وهنا تكمن الحكاية الحقيقية؛ فهناك نساء يعشن الحياة، وهناك نساء يتركن أثرًا في حياة الآخرين. وفاتن الصبروتي من النساء اللاتي لا يتوقف أثرهن عند حدود البيت، لأن ما يزرعنه في الأبناء والأحفاد يظل ممتدًا في اختياراتهم وأخلاقهم وطريقة تعاملهم مع العالم.
أما بالنسبة لي، فحكايتي معها لها مكان مختلف في قلبي. فأنا لا أكتب عنها لمجرد أنني أعرفها، ولا لأنني أريد أن أعدد صفاتها، بل لأنني مدينة لها بالكثير من الدروس التي تعلمتها، وبمشاعر الأمومة التي منحتني إياها دون أن تكون أمي بالولادة.
لقد علمتني أن الأمومة موقف، وأن التربية أثر، وأن الإنسان يستطيع أن يكون سندًا لغيره حتى لو لم تربطه به صلة الدم. علمتني أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا فيصبح وجودهم جزءًا من تكويننا، وأن فضلهم لا يمكن أن يُختصر في كلمة شكر عابرة.
فاتن الصبروتي ليست مجرد اسم أحبه وأقدره، بل هي حكاية امرأة أعتز بأنني تعلمت منها، وإنسانة تركت في داخلي أثرًا يشبه أثر الأم التي لا تنساها ابنتها.
قد لا تستطيع الكلمات أن ترد جميلها، وقد لا تكفي المقالات مهما طالت لتصف سنوات من العطاء والتربية والتضحية، لكن يبقى الاعتراف بالفضل حقًا، ويبقى الحديث عن النماذج الحقيقية واجبًا إنسانيًا.
وفي زمن أصبح فيه الكثيرون يبحثون عن أنفسهم أولًا، تظل هناك نساء يثبتن أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس مالًا ولا منصبًا ولا شهرة، وإنما أبناء تربوا على القيم، وأحفاد حملوا من أخلاقهن شيئًا، وقلوب تذكرهن بالحب والامتنان.
إلى فاتن عطية، فاتن الصبروتي..
شكرًا لأنك كنتِ أكثر من مجرد امرأة في حياتي. شكرًا لأنك علمتِ وربيتِ ومنحتِ من قلبك، ولأنك أثبتِّ لي أن الأمومة ليست حكرًا على من أنجبت، بل هي منزلة تصل إليها من احتضنت روحًا، واحتوت قلبًا، وشاركت في تشكيل إنسان.
قد لا أكون ابنتك التي أنجبتِها، لكنني واحدة ممن حملوا من عطائك أثرًا لا يُمحى، ومن تربيتك درسًا لا يُنسى.
فبعض النساء لا يلدن أبناءهن جميعًا، لكنهن يلدن في قلوب الآخرين معنى الأمومة نفسها.
0 تعليقات